سيناريو الحرب الطويلة يضع تونس بين فكي الطاقة وتقلبات الصرف

سيناريو الحرب الطويلة يضع تونس بين فكي الطاقة وتقلبات الصرف

 

 

 

أظهرت بيانات البنك المركزي التونسي أن متوسط سعر صرف الدولار مقابل الدينار التونسي ارتفع، وهو في حدود 2.913، كذلك سجلت العملة الأميركية ارتفاعاً مقارنة باليورو، بعد أن عرف سعر صرف الدولار مقابل الدينار التونسي انخفاضاً واستقراراً عند مستوى 2.8 منذ يونيو (حزيران) 2025، ما سيؤدي حتماً إلى ضغوط على ميزان المدفوعات.

وتصنَّف تونس ضمن الدول الأكثر عرضة لنقص الطاقة، ومع استفادة الدولار من طبيعته كملاذ آمن في خضم الحرب في الشرق الأوسط، فهي معرضة لارتفاع كلفة الطاقة، علاوة على دور ارتفاع الدولار في الزيادة التلقائية في الدين العام.

وبحسب جدول سعر الصرف، فإن زيادة قدرها 0.01 دينار مقابل الدولار تؤدي إلى زيادة في الدين العام لتونس بمقدار 46.9 مليون دينار (16.11 مليون دولار)، بينما رأى الاقتصادي بسام النيفر أنه "نظراً لاستحواذ اليورو على أكثر من نصف ديون تونس الخارجية، بنسبة 58 في المئة منها، فإن انخفاض قيمة اليورو بمقدار 0.01 دينار يقلل الدين العام القائم بمقدار 105.6 مليون دينار (36.2 مليون دولار)، ما يعني أن المالية العمومية ستستفيد من ذلك".

لكن بالمقابل تواجه تونس تحدي ميزان الطاقة، فزيادة سعر صرف الدولار مقابل الدينار بمقدار 0.01 دينار تؤدي إلى زيادة في نفقات الدعم بمقدار 43 مليون دينار (14.77 مليون دولار).

 

 

سعر الفائدة عند مستواه الحالي

 

لذا، فإن ميزان الطاقة مُعرَّض لخطر جسيم إذا استمر الاتجاه الحالي لأسعار النفط في السوق العالمية، وإن لم تتوقف المواجهات العسكرية في غضون أيام، ستكون التداعيات كبيرة على فاتورة المحروقات في البلاد.

أكثر من أي وقت مضى، ستلعب احتياطات تونس من النقد الأجنبي دوراً محورياً في الحفاظ على الاستقرار الكلي للاقتصاد، وهذا سبب إضافي للإبقاء على سعر الفائدة عند مستواه الحالي، وفق النيفر.من جانبه، يحذَّر المحلل المالي معز حديدان من الارتفاع الحاد في أسعار النفط الخام، الذي قد يُثقل كاهل المالية العمومية مع تجاوز سعر خام "برنت" حاجز 100 دولار للمرة الأولى منذ عام 2022.

وذكَّر بأن موازنة عام 2026 صيغت على أساس سعر مرجعي للبرميل أقل بكثير من المستويات الحالية في الأسواق الدولية، وهو 63.30 دولار، وفي هذا السياق، تُقدَّر كلفة كل زيادة قدرها دولار واحد في سعر البرميل بنحو 164 مليون دينار (56.3 مليون دولار) لموازنة الدولة.

وفي حال استقرار الأسعار عند مستوى 80 دولاراً حتى نهاية العام، فسيبلغ المتوسط السنوي نحو 78 دولاراً، أي بزيادة قدرها 14.70 دولار عن القيمة المفترضة في قانون الموازنة.

 

الحكومة التونسية أمام خيارين

 

وبذلك سيبلغ الأثر على الموازنة نحو 2.4 مليار دينار (824 مليون دولار) إضافية، ليصل إجمالي كلفة دعم الطاقة إلى ما يقارب 8.4 مليار دينار (2.88 مليار دولار)، بزيادة قدرها 25 في المئة تقريباً مقارنة بالتوقعات الأولية.

لكن رجَّح حديدان استقرار سعر البرميل عند 90 دولاراً، ما يؤدي إلى متوسط سعر سنوي يقارب 86 دولاراً، أي بزيادة قدرها 22.90 دولار عن السعر المرجعي في الموازنة.

بذلك قد تصل الكلفة الإضافية على المالية العمومية إلى ما يقارب 3.7 مليار دينار (1.27 مليار دولار)، ما يمثل زيادة تتجاوز 50 في المئة مقارنة بالموازنة الأولية المخصصة لتعويضات الطاقة، ما سيضع الحكومة التونسية أمام خيارين، يتمثل الأول في استيعاب الزيادة من خلال رفع دعم الطاقة، مما سيؤدي إلى اتساع عجز الموازنة وزيادة الحاجات التمويلية.

أما الخيار الثاني فيتمثل في إعادة تفعيل آلية التعديل التلقائي لأسعار الوقود، والتي تنقل جزئياً ارتفاع الأسعار العالمية إلى المستهلكين في محطات الوقود، علماً أن تلك الآلية لم تُفعَّل منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، وقد تؤدي إلى ارتفاع أسعار الوقود بنسبة تصل إلى 30 في المئة، مع تداعيات مباشرة على الأسر والشركات.

 

الضغوط التضخمية

قد يؤدي هذا التطور إلى تفاقم الضغوط التضخمية في تونس، التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، بالتالي قد تصل فاتورة الطاقة، المقدَّرة بنحو 13 مليار دينار (4.49 مليار دولار) في عام 2026، إلى ما يقارب 17 مليار دينار (5.84 مليار دولار) إذا استمرت الأسعار العالمية في الارتفاع.

تمتلك تونس احتياطات نفطية استراتيجية تكفي استهلاكها لمدة تراوح ما بين 45 و60 يوماً، وفق حديدان، ما قد يخفف موقتاً من حدة أي صدمة في الإمدادات، ومع ذلك، إذا استمرت الأزمة الدولية لفترة أطول من ذلك، فسيكون من الصعب تجنب آثارها على الاقتصاد الوطني.

 

أخطار على التجارة الخارجية والتصنيفات السيادية

 

إلى جانب الآثار المباشرة المذكورة، يشير المحلل إلى التداعيات غير المباشرة، والمتمثلة في التباطؤ الاقتصادي في أوروبا، الشريك التجاري الرئيسي لتونس، ما قد يؤدي إلى انخفاض الطلب على الصادرات التونسية، نظراً لأن ما يقرب من نصف تجارة البلاد الخارجية موجه إلى هذه السوق، وهو ما يهدد بتفاقم العجز التجاري، واستنزاف احتياطات النقد الأجنبي، وزيادة الضغط على الدينار.

وهو ما نبَّهت إليه وكالات التصنيف الائتماني بالفعل، من هشاشة الاقتصاد التونسي أمام الصدمات الخارجية، وقد يؤدي الارتفاع المستمر في أسعار الطاقة، بالتزامن مع أزمة دولية - إن طالت - إلى مزيد من إضعاف الاستقرار المالي، والتأثير سلباً على التصنيف الائتماني السيادي لتونس.   

 

 

عن اندبندنت عربية

 

بقلم  انتصار عنتر             

 

Image