تنشط في قطاع الصناعات الإلكترونية التونسي 150 شركة توفر 70 ألف فرصة عمل، ويبلغ حجم صادراتها مليار دولار سنوياً.
وتسعى تونس حالياً إلى ترسيخ مكانتها إقليمياً فيه كمركز للإلكترونيات، مما يزيد من حظوظها في جذب الاستثمارات الأوروبية والآسيوية التي تخطط للتمركز في شمال أفريقيا بفعل إكراهات السوق وأزمات سلاسل الإمدادات الأخيرة.
لكن القطاع يواجه جملة من التحديات، أبرزها إشكاليات متعلقة بالأطر القانونية والإدارة، وطالب المسؤولون والمهنيون في القطاع خلال حديثهم إلى "اندبندنت عربية"، بجملة من الإصلاحات التي باتت ملحة لدفع الاستثمارات في قطاع قادر على رفع القيمة المضافة وتحقيق النمو.
قصور في التسويق
ويضم القطاع في تونس أنشطة تصنيع المكونات الإلكترونية، من اللوحات الذكية إلى الوصلات، ويوجه الإنتاج إلى مختلف الصناعات، ولا سيما قطاعات السيارات والطيران والفضاء والمعدات الطبية والاتصالات، وتستحوذ صناعة الإلكترونيات في تونس على ما يقارب 15 في المئة من الاستثمارات الصناعية.
ودعا المدير العام للصناعات المعملية فتحي السهلاوي إلى تحول جوهري في السياسة الصناعية للبلاد، إذ "تسير الاتجاهات العالمية نحو التكنولوجيا الذكية، لذا يتعين التركيز على القطاعات القادرة فعلاً على التطور وتحقيق النمو على غرار الإلكترونيات".
ويعود ذلك، بحسب قوله، لتوفيره هامشاً كبيراً من التحسن بحكم طبيعة القطاع، إذ يمتلك ميزات تفاضلية مهمة بفضل توافر الموارد البشرية المواكبة للتحولات التكنولوجية، إضافة إلى شبكة من الشركات المحلية التي أتقنت تقنيات متقدمة.
أضاف "على عكس كثير من البلدان المنافسة، تمتلك تونس شركات محلية قادرة على تصنيع اللوحات الإلكترونية والوصلات الإلكترونية الرقمية، وهي ليست تقنية بسيطة"، موضحاً أن القطاع يشهد تحولات كبيرة عالمياً، وأن البلاد تستجيب لمقاييس التطور كافة في مجال البرمجيات بفضل الكفاءات المتوافرة في الهندسة والمعلوماتية. وأردف أن "حجم السوق العالمية يبلغ 430 مليار دولار، وبإمكان تونس رفع نصيبها بما يرفع قيمة الصادرات إلى 7 مليارات دينار (2.4 مليار دولار) بحلول عام 2030.
كذلك يُتوقع أن ترتفع حصة القطاع من الناتج المحلي الإجمالي الصناعي من 15 في المئة إلى 20 في المئة، مع ترجيح استحداث 30 ألف فرصة عمل مباشرة إضافية.
لكن السهلاوي أشار أيضاً إلى أن القطاع يواجه نقصاً في التسويق والترويج للوجهة التونسية وما تحويه من أفضليات صناعية، كما يحتاج إلى تبسيط إجراءات التوريد والتصدير وتوفير البنية التحتية الملائمة، ومن بين الأولويات كذلك توفير مراكز تكوين مهني تواكب التطورات التكنولوجية التي تشهدها هذه الصناعة.
حمائية مدروسة
وترنو تونس إلى تعزيز أداء الصادرات وتحسين موقعها الدولي في هذا الصنف من الصناعات، وتحفيز الاستثمار وتنمية الكفاءات واليد العاملة الماهرة، وتعزيز التكامل بين القطاعين العام والخاص، وجعل الابتكار محركاً للتنافسية.
وبالنظر إلى المسار التاريخي الذي عرفته الصناعات الإلكترونية في تونس منذ سبعينيات القرن الماضي، يرى رئيس مجمع الصناعات الإلكترونية (هيئة مستقلة) وليد بن عمر ضرورة تنمية هذا القطاع والتأسيس لصناعة تونسية سيادية موجهة للسوق الاستهلاكية الداخلية إضافة إلى التصدير، وكشف عن أن عدد الشركات التونسية في هذا القطاع لا يزيد على ست شركات من أصل 150 شركة.
وفسر سيطرة الشركات الأجنبية بالصعوبات الإدارية، وفي مقدمتها الإطار القانوني ثم البيروقراطية وأعباء الإجراءات الطويلة والمتراكمة، وقال إن تعزيز الاستثمار الداخلي في هذه الصناعات يقتضي تخفيف التراتيب الإدارية وتطوير الإطار القانوني لتشجيع رأس المال الوطني، ومساواته بالضمانات الممنوحة للأجنبي، إضافة إلى تسهيل النفاذ إلى العقارات والتمويل.
أضاف أن القطاع يحتاج إلى تنفيذ سياسة حمائية مدروسة عبر انفتاح السوق المحلية على الشركات التونسية المصنعة للإلكترونيات، من خلال تعاقد المؤسسات الكبرى، خصوصاً العمومية منها مثل شركات الاتصالات والشركة التونسية للكهرباء والغاز، مع المصنعين التونسيين القادرين على تغطية هذه السوق، عبر اتفاقات شراكة لتزويد السوق المحلية.
وأكد أن انفتاح الدولة على القطاع المحلي للصناعات الإلكترونية يمكن أن يسهم في تغطية الحاجات الوطنية ودعم هذه الصناعة القادرة على رفع التحدي، معتبراً أن ذلك يمثل مرافقة ناجعة لتنمية الصناعة الإلكترونية والحد من نزيف هجرة الكفاءات التونسية المتخصصة عبر استقطابها، وتقليص استيلاء الشركات الأجنبية على القيمة المضافة، فضلاً عن تخفيف الضغط على ميزان المدفوعات من خلال تقليص الواردات ورفع مستوى الصادرات.
وعن آفاق الأسواق، قال وليد بن عمر إن إمكانات تطوير السوق الأوروبية وافرة، وكذلك السوق الأميركية، موضحاً أن أزمة سلاسل الإمدادات الراهنة توفر فرصاً كبرى لاستقطاب المستثمرين من آسيا وأوروبا الراغبين في الاقتراب من أسواق الاستهلاك. لكنه شدد أيضاً على أن ذلك يبقى رهيناً بالتسويق الجيد للوجهة الصناعية التونسية التي توفر يداً عاملة ذات كفاءة عالية، لكنها تعاني ضعفاً في الترويج وغياب الرؤية المناسبة.
وفي ما يتعلق باليد العاملة المتخصصة، نبه رئيس لجنة الموارد البشرية بمجمع الصناعات الإلكترونية أبو بكر قلبي إلى أهمية مواءمة التكوين الأكاديمي مع حاجات السوق والمؤسسات، بحكم سرعة التطور التكنولوجي الذي يفرض التغيير المتواصل والمرافقة المستمرة، بما يضمن استمرار تفوق تونس في الموارد البشرية. وأشار أيضاً إلى أن رقمنة الإدارة بالكامل باتت ضرورة ملحة، لافتاً إلى خصوصية الاستثمار في القطاع الإلكتروني مع ارتفاع الكلفة وإشكال نقل التكنولوجيا، وهما من أبرز العوائق أمام نمو المؤسسات التونسية.
حوافز لكنها تمييزية
ونادى المستثمرون المحليون أيضاً بتحقيق المساواة الفعلية في الحصول على الحوافز، خصوصاً في ظل الامتيازات والتسهيلات الكبيرة التي تقدمها الدولة إلى المستثمرين الأجانب مثل الامتيازات الجبائية والجمركية.
وطالب المستثمر والمكلف الخدمات اللوجستية والجمارك في المجمع ديديي برايتون برقمنة الخدمات اللوجستية وإصلاحها، إضافة إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم للمهنة، مشيراً إلى التفوق التونسي على رغم البيروقراطية التي تعطل القطاع. وقال برايتون إن "الدولة التونسية أظهرت نية للتعاون، لكن الإصلاحات تسير ببطء شديد، ويظل الإشكال الأساس في وجود نمطين من الشركات، هما ’المقيمة‘ و’غير المقيمة‘ ونطالب بتوفير مساواة تامة بينهما في تونس لإلغاء القيود المفروضة على التعاملات والتحويلات المالية وتحقيق تكافؤ الفرص، وتسهيل الإجراءات للجميع". وأضاف أن توحيد الأنظمة من شأنه دمج الإطار القانوني والجبائي للشركات المقيمة التي تتعامل محلياً وتخضع لقانون الصرف العادي، مع الشركات غير المقيمة المصدرة كلياً والمتمتعة بامتيازات تصدير وتسهيلات وإعفاءات جمركية كاملة.
عن اندبندنت عربية
بقلم انتصار عنتر

Arabic (اللغة العربية)
Français (France)