شهدت تونس موجة أمطار غزيرة مصحوبة بعواصف شديدة وصلت داخل بعض المناطق إلى حد السيول متسببة في فيضانات، وأثرت بصورة رئيسة في تونس العاصمة وضواحيها والمحافظات الساحلية الشرقية والشمالية.
وبلغ عدد الضحايا حتى الآن ستة أشخاص، وتجاوزت كميات الأمطار الاستثنائية 400 مليميتر داخل بعض المناطق خلال 72 ساعة، مما أدى إلى ضغط كبير على البنية التحتية الهشة.
وأفادت محطات الأرصاد الجوية بأن كميات الأمطار تجاوزت المعدلات الموسمية المعتادة خلال الساعات التي هطلت فيها، مما أدى إلى تشبع التربة بالمياه وارتفاع خطر جريان المياه السطحية والفيضانات المفاجئة.
شبهات فساد
وكشفت السلطات عن وفاة ستة أشخاص جراء السيول، ولم تصدر إحصاء رسمياً عن الخسائر المادية التي طاولت المدن والأرياف الناجمة عن هذه الكارثة، إلا أن شدة الأمطار تسببت في أضرار مادية جسيمة، بما في ذلك تراكم المياه داخل المناطق الحضرية، واضطرابات مرورية، وانسداد مجاري المياه وعطل في قنوات التصريف وقنوات نقل المياه النظيفة على قدر السواء، علاوة على توقف الإنتاج داخل عدة وحدات صناعية بالمناطق المتضررة وإمدادات السلع الناتجة من انقطاع الطرقات والخسائر الفادحة التي تكبدها المنتجون بالقطاع الزراعي، وسط دعوات لمحاسبة المسؤولين عن هشاشة البنية التحتية والمنفذين لخطط سابقة مزعومة لمواجهة الفيضانات بنفس المناطق المصنفة منكوبة.
وتتحمل شركات المقاولات التي أنجزت الطرقات والمسالك الرابطة بين القرى والمدن مسؤولية الخراب الذي طالها وشل الحركة فيها، وتشوبها شبهات فساد واضحة وفق ما ورد على لسان عضو المجلس المحلي في تاكلسة شمال شرقي تونس جمال الزيادي، الذي تحدث عن انقطاع الطرق وتوقف الحركة وإيقاف النشاط بوحدات الإنتاج الصناعية داخل المنطقة وتوقف إمدادات السلع الغذائية من الحقول التي طاولتها السيول بدورها.
كذلك أُتلف عدد من المنتجات نتيجة ارتفاع مستوى المياه إضافة إلى جرف السيول عدداً كبيراً من القطيع، داعياً إلى تدخل صندوق الجوائح لتعويض المتضررين عن الخسائر المسجلة.
في حين اتهم رئيس المجلس المحلي في تاكلسة عبدالباسط بن منا السلطات المتخصصة في وزارة التجهيز والتهيئة بإهمال شبكات الطرقات والتقصير في الصيانة الدورية، مما أدى إلى أضرار طاولت جميع مسالكها التي تمتد على 180 كيلومتراً نتيجة جريان السيول بكميات كبيرة ومستوى مرتفع جداً للمياه خلال فترة وجيزة، إضافة إلى تلف 1200 من وحدات الإنتاج الزراعي المغطاة المحمية بأنواعها ومساحات شاسعة من الخضر والغلال وتربية الماشية والنحل والدواجن، مما حتم إجراء عملية جرد متواصلة للأضرار في انتظار رفعها للسلطات المعنية.
غياب الاستثمار العمومي
ودعا عضو المجلس الجهوي لبلدية سليمان بالساحل الشرقي التونسي إلى فتح ملف المساعدات التي خُصصت لمجابهة أضرار الفيضانات التي جدَّت بالجهة عام 2018، وقال أسامة الخلادي ضمن حديثه إلى "اندبندنت عربية" نطالب بالتحقيق والمحاسبة في مآل الهبة الصينية الضخمة التي تجاوزت ملايين الدنانير وخُصصت في الشأن، والتي تبخرت ولم تطل المناطق المتضررة منها غير النزر القليل.
وقد ثبت توزيع هذه الهبات والمخصصات من طريق المحاباة، مما كرر حصيلة الأضرار التي طاولت البنية التحتية من طرقات ومؤسسات حكومية وتربوية ومصانع، وتضررت مبان خضعت لإصلاحات مزعومة بعد الفيضانات السابقة، مما يطرح النظر في الشركات المنفذة للدراسات والمقاولات المنجزة.
أما النتيجة فهي قرى معزولة على خلفية انقطاع الطرقات ومساحات سكنية وصناعية وفلاحية غارقة في المياه والوحل بسبب انعدام ربطها بشبكات التصريف، وتكرار لمأساة فيضانات عام 2018 التي لم تعالج أضرارها لتلحق بها السيول الجديدة.
ويتواصل غلق الطريق الرابط بين مدينة قربة الساحلية بمحافظة نابل وعدد من الأرياف المتاخمة جراء السيول التي أدت إلى قطع الطرقات وكسر عدد من الجسور، في حين أتلفت المياه جميع المساحات المخصصة لزراعة الفراولة التي تمثل 90 في المئة من الإنتاج الوطني لهذا الصنف من الغلال، إضافة إلى مساحات زراعة البطاطا التي غمرتها المياه.
ووصف رئيس المجلس المحلي في مدينة قربة، رضا بكير شوشان، الوضع بالمأساة المطابقة لفيضانات عام 2018 التي أغرقت المناطق الحضرية والريفية، بسبب عدم خضوع المناطق المتضررة للإصلاحات الضرورية من حيث تهيئة الطرقات واستصلاح مجاري الأودية والركود التام لمشاريع البنية التحتية منذ عقود.
وشهدت محافظة المنستير، التي تبعد قرابة 120 كيلومتراً من محافظة نابل، وفاة خمسة أشخاص، وعرفت المنطقة ارتفاعاً قياسياً لمستوى المياه تجاوز المتر نتج من أزمة كبيرة تخص تصريف المياه.
واعتبر منير حسين عضو المكتب التنفيذي للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (مستقل) أن سيول المياه عرت أسلوب التصرف في الفضاء الحضري الذي اتضح أنه مجال للفوضى الحضرية، وفشل خيارات الدولة للتصرف في الفضاء من دون دراسات مسبقة وعادلة.
وثبت أن تقسيم الفضاء إلى مناطق مهيأة محدودة تخضع لعمليات تسويق بأسعار مرتفعة تدفع الجزء الأعظم من الأهالي إلى التمركز في مناطق سكنية فوضوية غير مهيأة، ويقع جزء كبير منها داخل مناطق منخفضة توجد في الخط الأول لمواجهة التغيرات المناخية على غرار الفيضانات.
وثبت غرق أحياء وقرى بأكملها توجد على حافة السباخ والأودية، وشهدت جميع مدن محافظة المنستير وقراها الفيضانات بدرجات متفاوتة وطاولت الأضرار المصانع والوحدات السكنية، إضافة إلى تجهيزات الصيد البحري من قوارب ومراكب وأحواض تربية الأسماك المتضررة جراء العاصفة.
واعتبر منير حسين الفيضانات الأخيرة خير مؤشر إلى عدم الاستعداد لمواجهة التغيرات المناخية المهددة لجميع سلاسل الإنتاج والسلامة، ودليلاً على هشاشة البنية التحتية التي تشكو غياب الاستثمارات العمومية السبيل الوحيد لتهيئتها.
عن اندبندنت عربية
بقلم انتصار عنتر

Arabic (اللغة العربية)
Français (France)