دعت الجامعة التونسية لوكالات الأسفار (هيئة نقابية مستقلة) إلى اعتماد الإجراءات المناسبة للحد من انتشار الأنشطة الموازية في القطاع السياحي، وبالتحديد في مجال الرحلات.
ونص الاتفاق على الالتزام بميثاق أخلاقي ومهني يحدد حقوق وواجبات مختلف الأطراف، إلى جانب إرساء آليات للوساطة والمتابعة في حال حدوث أي إشكال، بما يحفظ مصالح المتعاملين ويعزز الثقة في الخدمات السياحية المقدمة، هو التزام يغيب لدى عديد من الوكالات غير القانونية من شركات أو أشخاص يمارسون نشاط تنظيم الأسفار من دون ترخيص رسمي من وزارة السياحة، والذين يشار إليهم من قبل المهنيين بالدخلاء على المهنة أو مكاتب الخدمات السياحية الموازية.
دق المهنيون ناقوس الخطر بسبب ما تمثله هذه الأنشطة من تهديد لنشاطهم ولحقوق العملاء التأمينية، علاوة على المساحة التي تفتحها أمام المتجاوزين للقانون لخلق سوق سوداء سياحية تتداول العملات خارج المؤسسات المالية، وتستغل هذا الفضاء لتبييض الأموال.
1100 وكالة قانونية مقابل آلاف المضاربين
ارتفع منسوب النشاط غير المرخص في مجال تنظيم الرحلات داخل تونس وخارجها من قبل دخلاء لا تتوافر لديهم التراخيص الرسمية الإلزامية الصادرة من الديوان الوطني للسياحة خلال الأعوام الأخيرة.
وتتوزع هذه الأنشطة بين شركات غير مسجلة بالسجل السياحي أو وكالات وهمية تقدم رحلات سياحية، غالباً عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتقدم هذه الوكالات أسعاراً مغرية لأنشطة غير قانونية، مما يعرض المسافرين لخطر الاحتيال بمختلف أشكاله، ويجعلهم من دون أي سبيل للتعويض في حال حدوث إشكاليات.
ويبلغ عدد وكالات الأسفار المرخصة في تونس 1100 وكالة في أقل تقدير، وفق رئيس الجامعة التونسية لوكالات الأسفار محمد علي التومي الذي طالب بحصر تنظيم الرحلات لدى وكالات الأسفار على خلفية الإشكال المتمثل في ممارسة هذا النشاط من قبل مؤسسات غير متخصصة، وهي شركات تحمل تراخيص خدمات.
في المقابل، تحمل الوكالات القانونية تراخيص متخصصة في الرحلات وتعتمد كراس شروط خاصاً بها، وتخضع لرقابة وزارة السياحة. وطالبت الجامعة خلال اجتماع مع وزير السياحة قبل يومين بتنقيح القانون لمنع هذه المؤسسات من إسداء خدمات سياحية، بحكم تفرد السياحة بقانون خاص بها.
وترغب الجامعة التونسية لوكالات الأسفار في الاجتماع بوزارة التجارة، الجهة المسؤولة عن منح تراخيص شركات الخدمات، وكذلك بالسجل الوطني للمؤسسات، للنظر في هذه الثغرات الخطرة في القانون بهدف منع المؤسسات المتخصصة في الخدمات من ممارسة النشاط السياحي.
ويطالب المهنيون شركات الطيران بعدم التعامل مع عملاء خارج إطار وكالات الأسفار القانونية، إضافة إلى التسريع بإصدار القانون الخاص بالإقامات السياحية لقطع الطريق أمام جميع الأنشطة غير المؤطرة قانونياً.
واعتبر المتخصص في المجال السياحي والرئيس السابق للجامعة التونسية لوكالات الأسفار جابر بن عطوش أن توعية العملاء عبر إطلاق تحذيرات دورية لحمايتهم من أخطار الاحتيال وانعدام التأمين وعدم الالتزام بمعايير السلامة، تعد أولى الخطوات لمجابهة أخطار وكالات الأسفار غير القانونية في انتظار تنقيح القوانين.
في المقابل، يظل تعامل بعض المهنيين في القطاع السياحي من أصحاب الفنادق ووكالات الأسفار مع المتجاوزين من أهم الإشكاليات المطروحة، وفسر ذلك بـ"تسونامي الموازي" الذي ضرب القطاع، إذ يفوق عدد شركات الخدمات التي تمارس المهنة خارج القانون عدد الوكالات القانونية.
ويقدر عدد هذه المؤسسات بأكثر من 4 آلاف مؤسسة، إضافة إلى الوكالات الوهمية على شبكة الإنترنت، والجمعيات، والمؤثرين على شبكات التواصل الاجتماعي، والدخلاء والمضاربين من مختلف القطاعات.
ويصعب القضاء على هذه الآفة بحكم اتساع دائرة المستفيدين من ممارسة نشاط خارج مظلة التأمينات والتغطية الاجتماعية والأداءات والرقابة المصرفية، ومن الواضح أن حجم المضاربة الحالي يفوق ما تتحمله سوق السفر في تونس، وفق بن عطوش.
المهنيون أجمعوا على استفحال الظاهرة خلال العقد الأخير، ونبهوا إلى أن تنظيم الرحلات السياحية خارج القانون يوفر فرصة لتبييض الأموال من قبل المهربين والمتجاوزين للقانون بمختلف أصنافهم، عبر شراء الحجوزات خارج تونس بأموال مجهولة المصدر موجودة خارج البلاد، ثم إدخالها إلى تونس من خلال عملية تسديد خدمات تنظيم الرحلات من قبل المسافرين محلياً، والتي تحولت إلى غطاء لهذه العمليات.
محفظة مالية متواضعة
أسهمت محدودية مخصصات وكالات الأسفار من العملات الأجنبية من قبل البنك المركزي في انتشار السوق السوداء للرحلات، إذ لا تتجاوز المحفظة المرصودة لسياحة التونسيين بالخارج 25 مليون دينار (8.6 مليون دولار)، و50 مليون دينار (17.2 مليون دولار) للعمرة.
وتعد هذه المخصصات غير كافية بالنظر إلى عدد المسافرين التونسيين الذين يتجاوز عددهم مليون شخص في ما يتعلق بالرحلات الجوية فحسب.
وفي حال بلغت كلفة رحلة السفر السياحية الواحدة ألف دينار فقط (344 دولاراً)، وهو مبلغ يقل عن الحد الأدنى الفعلي في كثير من الحالات، فإن هذه المخصصات تغطي نفقات سفر 25 ألف تونسي فحسب، أي نحو 5 في المئة من إجمال المسافرين، وأقل من 50 ألف معتمر.
في المقابل، تبلغ كلفة سفر نصف عدد المسافرين فحسب، أي نحو 500 ألف تونسي، من دون احتساب السفرات غير السياحية، ما يقارب 500 مليون دينار (172.3 مليون دولار).
ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول مصدر تمويل بقية الرحلات، وعلاقته بالسوق السوداء، ومصدر الأموال المعتمدة من قبل شركات الخدمات والجمعيات والمضاربين الذين يستولون على الجزء الأوفر من السوق، ويتسببون في إدخال قطاع وكالات الأسفار في تونس في حال موت سريري.
عن اندبندنت عربية
بقلم انتصار عنتر